الجاحظ

318

الحيوان

يخرجون عنهم في تلك الحالات الكلاب ، لأنّهم يخافونها على ما هو عندهم أنفس من الكلب ، وهذه مصلحة في الكلب ، ولا يكون ذلك إلّا في القرى التي بقرب الغيضة أو المأسدة « 1 » . 338 - [ سبب طلب الأسد للكلب ] فزعم لي بعض الدّهاقين قولا لا أدري كيف هو ، ذكر أنّهم لا يشكّون أنّه إنّما يطلب الكلب لحنقه عليه . لا من طريق أنّ لحمه أحبّ اللّحمان إليه . وإنّ الأسد ليأتي مناقع المياه . وشطوط الأنهار ، فيأكل السّراطين والضفادع ، والرّق « 2 » والسلاحف ، وإنّه أشره من أن يختار لحما على لحم . قال : وإنّما يكون ذلك منه إذا أراد المتطرّف من حمير القرية وشائها وسائر دوابّها . فإذا لجّ الكلب في النّباح انتبهوا ونذروا « 3 » بالأسد . فكانوا بين أن يحصّنوا أموالهم وبين أن يهجهجوا « 4 » به . فيرجع خائبا . فإذا أراد ذلك بدأ بالكلب ؛ لأن يأمن بذلك الإنذار ، ثمّ يستولي على القرية بما فيها . فإنّما يطالب الأسد الكلاب لهذه العلّة . 339 - [ حيل الأسد في الصيد ] وسمعت حديثا من شيوخ ملّاحي الموصل - وأنا هائب له - ورأيت الحديث يدور بينهم ، ويتقبّله جميعهم . وزعموا أنّ الأسد ربّما جاء إلى قلس السفينة « 5 » ، فيتشبّث به ليلا ، والملّاحون يمدّون السفينة فلا يشكّون أنّ القلس قد التفّ على صخرة ، أو تعلّق بجذم شجرة « 6 » . ومن عاداتهم أن يبعثوا الأوّل من المدّادين ليحلّه . فإذا رجع إليه الملّاح ليمدّه تمدّد الأسد بالأرض ، ولزق بها وغمّض عينيه كي لا يبصر وبيصهما بالليل ، فإذا قرب منه وثب عليه فخطفه ، فلا يكون للملّاحين هم إلّا إلقاء أنفسهم في الماء وعبورهم إليه . وربما أكله إلّا ما بقي منه ، وربما جرّ فريسته إلى عرّيسه « 7 » وعرينه ، وإلى أجرائه وأشباله ، وإن كان ذلك على أميال .

--> ( 1 ) المأسدة : الأرض الكثيرة الأسود . ( 2 ) الرق : العظيم من السلاحف . ( 3 ) نذر : علم . ( 4 ) هجهج بالكلب : صاح به ليبعد فقال له : هج هج . ( 5 ) القلس : حبل غليظ من حبال السفن . ( 6 ) جذم الشجرة : أصلها . ( 7 ) العريس : مأوى الأسد .